موكب ملكي مهيب، الخيول العربية الأصيلة تنتظم كعقد من اللؤلؤ المنظوم بدقة عالية، يطوّق الزائر المحتفى به وكأنه يتهادى بين نجوم متلألئة، لا تملّ العين من النظر والتحديق فيها بكل إبهار وإعجاب.
هذا هو الموكب الملكي الرسمي في المملكة العربية السعودية، عند استقبال أصحاب الجلالة والرؤساء العظام.
فليس هناك ما هو أكثر تباهيًا بالأصالة والسمو والرفعة، ولا أبهى من الظهور بمظهر الفخامة والرقي والعظمة، من موكب ملكي تحفّه الخيول، وعلى صهواتها يمتدّ الفارس العربي الأصيل، الذي يثبت في كل مرة للعالم أجمع أنه ضارب بجذوره في أعماق التاريخ، منبعث من حضارته المتجذرة التي تجلّت في مواقع متعددة من أرجاء الجزيرة العربية.
يقف شامخًا، متوشحًا سلاحه، واثبًا متأهبًا على جواده، يعلو رأسه اعتزازٌ وفخر بموروثه وأصالته وحضارته القديمة المتجددة.
يسير متبخترًا على سجاد اكتسى بلون الخزامى، وكأنه يعيد الصورة البهية لأجداده حين ساروا على أراضي هذه البلاد تحفّهم وريقات الخزامى بعطرها الشذي، ولسان حاله يقول:
"ها أنا ابن أولئك الأول، وحفيد من سطّر أعظم الحضارات. لم أتبدّل أو أتحوّل عن عراقتي: خيلي، ورمحي، وعزتي، وشموخي... لأني فارس سعودي."
وهكذا يتمثل حرفيًا ارتباط الأرستقراطية الباذخة بالموروث العربي الأصيل للخيل.
وعند العودة إلى حضارة "المقر"، التي تشكّلت بالقرب من وادي الدواسر، نكتشف أول الرسومات على صخور عملاقة تصوّر الخيول، وتعود إلى العصر الحجري الحديث، ويُقدّر عمرها بتسعة آلاف سنة.
وقد قامت هذه الحضارة الغارقة في القِدم باستئناس الخيل وتفضيله على غيره من الكائنات، ويتجلى ذلك في كثرة الرسومات والنقوش والآثار المرتبطة به، من لِجام وسَرج ونقوش تُبرز افتتان الرسام بملامح الحصان، ومقدار محبّته وإعجابه بهذا الكائن الفاتن.
ثم ننتقل إلى ما تم اكتشافه في سهول آسيا الوسطى قبل نحو خمسة آلاف وخمسمئة عام، ومرورًا بتعاقب الحضارات في مختلف القارات، وصولًا إلى الفترة الثمودية، التي امتدت بين القرنين السادس والأول قبل الميلاد، والتي كشفت العديد من النقوش التي عبّرت عن مدى الارتباط العميق بين الإنسان والخيل، وما يمثّله من مصدر تباهٍ وفخر، خلدها الثمودي في نقوشه الصخرية، التي تحكي بوضوح عمق هذه العلاقة.
ومع تطور الحضارات وتعدد الإمبراطوريات، نجد أن للخيل مكانة رفيعة لدى الطبقات الحاكمة، حيث انتشرت مدارس الفروسية، وشيّدت الإسطبلات الفاخرة، وصُنعت أدوات ركوب الخيل من أجود وأغلى المواد.
وكانوا يحرصون على توطيد العلاقة بين أبنائهم وخيولهم منذ الصغر، حتى ينشأوا فرسانًا متمكنين، يعرفون جيدًا كيف يتعاملون مع الخيل في الكرّ والفرّ.
ولو تأملنا التاريخ، لوجدنا أن أغلب التماثيل والصور التي تصوّر القادة العظام، أو ما ورد في الأشعار والنصوص القديمة، تظهر جميعها هذا الارتباط العميق بالخيل.
فمن امرئ القيس، ملك كندة وفارسها العظيم، وتخليده لحصانه في معلقته الشهيرة:
"أيطلا ظبي وساقا نعامةٍ
وإرخاء سرحانٍ وتقريب تتفلِ
مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا
كجلمود صخرٍ حطه السيل من علِ"
إلى عهد النبوة، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة."
كما نرى تماثيل جنكيز خان، إمبراطور المغول، جميعها تنتصب وهو على صهوة جواده، في دلالة على الفخر والهيبة، وهو ذات التقليد الذي سار عليه الغرب منذ الحضارة الإغريقية والرومانية، حتى العصور المتأخرة.
فتماثيل الإسكندر المقدوني في مقدونيا واليونان، والتمثال الشهير للإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس في روما، وتمثال بطرس الأكبر (الفارس البرونزي) في سانت بطرسبرغ، وتمثال جان دارك في وسط باريس، جميعها تؤكد هذا الارتباط.
وقد وُضعت لهذه التماثيل رموز معينة، حيث تختلف وضعية أرجل الحصان للإشارة إلى مصير الفارس:
إذا كانت القدمان الأماميتان مرفوعتين، فهذا يعني أن الفارس قُتل في معركة.
وإذا كانت قدم واحدة مرفوعة، فهو قد أُصيب.
أما إذا كانت جميع الأرجل على الأرض، فيُقال إنه مات بشكل طبيعي.
واستمرارًا لهذا الإرث، نجد أن العائلة المالكة في بريطانيا ما زالت تحتفظ ببروتوكول استقبال الملوك وكبار الشخصيات بالعربة الملكية تجرها الخيول، تقليدًا متوارثًا منذ قرون.
كما أن الزائر لقصر باكنغهام يرى الحراس يمتطون خيولهم على أسوار القصر، في مشهد يعبّر عن الهيبة والأرستقراطية المتجذرة خلف هذه الأسوار.
وبهذا، يتبيّن لنا أن ارتباط الخيل عبر العصور وتعدد الدول والأعراق، ظلّ رمزًا للفخامة والهيبة والفخر، ودلالة على الملكية والفروسية والأرستقراطية، وعلامة فارقة ميّزت بين الطبقات والنخب في المجتمعات الإنسانية، منذ أقدم العصور وحتى يومنا الحاضر.