في مؤتمر صحفي عُقد بمقر الهيئة العامة للسياحة والآثار بمنطقة مكة المكرمة، كشف الدكتور علي الغبان، نائب رئيس الهيئة، عن اكتشاف أثري يعود لأكثر من تسعة آلاف سنة قبل الميلاد، يُعتقد أنه يعيد صياغة ما هو متداول حول تاريخ تدجين الخيول.
وقد تمثل الاكتشاف في حضارة قديمة تُعرف باسم "حضارة المقر"، عُثر فيها على بقايا آدمية، ومجسمات لحيوانات، وأوانٍ صناعية، تشير جميعها إلى رموز الثقافة العربية الأصيلة مثل: الفروسية، الصيد، القنص بالصقور والكلاب السلوقية، الخنجر العربي، ورؤوس السهام.
وبحسب الباحثين، فإن هذا الإعلان يضع الجزيرة العربية في صدارة الحضارات الإنسانية القديمة، ويؤكد أن استئناس الخيل بدأ فيها، وليس في سهول كازاخستان كما كان يُعتقد سابقًا.
طفرتان جينيتان غيّرتا مسار العلاقة بين الإنسان والحصان
دراسات علمية حديثة نُشرت في مجلة "ساينس" أوضحت كيف استطاع الإنسان القديم ترويض الخيول، من خلال طفرتين جينيتين كان لهما دور جوهري في تحويل الحصان من حيوان بري شديد الحذر إلى رفيق مخلص للبشر.
أولًا: الطفرة المرتبطة بالطاعة والسلوك
أظهر التحليل الجيني لعدد كبير من بقايا خيول قديمة أن هناك جينًا يُعرف باسم ZFPM1، في حالته الأصلية، يجعل الخيول عصبية ومائلة للهرب عند اقتراب الإنسان. ومع مرور الزمن، استخدم المربّون الأوائل أسلوب التربية الانتقائية، حيث اختاروا الخيول الأكثر هدوءًا واستبعدوا العدوانية منها، مما أدى إلى ترسيخ الصفات المرغوبة وانتشارها بين الأجيال المتعاقبة.
ثانيًا: الطفرة المرتبطة بالقوة البدنية
أما الجين الثاني، المعروف باسم GSDMC، فقد ساهم في تطوير بنية جسدية أقوى للحصان، وخصوصًا في العمود الفقري، مما جعله أكثر قدرة على تحمل الركوب والعمل. وقد أثبتت تجارب مخبرية على فئران معدلة وراثيًا أن هذا الجين يؤدي إلى نتائج مشابهة من حيث القوة والقدرة على الحركة.
ثورة حضارية بعد الترويض
قبل ترويض الخيول، كان الإنسان يعتمد على المشي لمسافات طويلة أو على العربات البطيئة التي تجرها الثيران. لكن استئناس الخيل غيّر أسلوب الحياة بشكل جذري، حيث أصبح السفر أكثر سرعة، والحروب أكثر حسمًا، والتجارة أكثر فاعلية.
ولهذا السبب، يرى المؤرخون أن الخيول كانت من بين العوامل الأساسية التي ساعدت على نشوء حضارات العصر البرونزي.
أهمية الاكتشاف في العصر الحديث
فهم كيفية ترويض الخيول لا يساعد فقط في إعادة قراءة التاريخ، بل يسهم أيضًا في تحسين سبل رعاية الخيول المعاصرة، ومعالجة المشكلات الصحية المرتبطة بها، ودراسة تأثير الإنسان في تطور الكائنات الحية من حوله.
خلاصة
إن تدجين الحصان لم يكن مجرد حدث عابر، بل شكّل نقطة تحوّل حقيقية في تاريخ الإنسان. وقد مهّد هذا التغيير الجيني الطريق لبناء علاقة طويلة وعميقة بين البشر والخيول، علاقة امتدت لآلاف السنين ولا تزال مستمرة حتى اليوم، حيث لا يزال الحصان رمزًا للفروسية والشرف والقوة، وجزءًا من ذاكرة الإنسان العربي وهويته الثقافية.
المصادر: مجلة Science، صحيفة The Washington Post، مجلة Smithsonian Magazine