الخيل العربي .. ملكٌ وحضارة

مقالات الخيل

الخيل العربي .. ملكٌ وحضارة
عبدالهادي الدوسري

عبدالهادي الدوسري

الكاتب 22 Oct 2025

دأبت الممالك والإمارات التي سطرت حروف أمجادها وأساطيرها على أرض جزيرة العرب على اقتناء أجود وأنقى سلالات الخيول العربية الأصيلة .. حتى أن بعضها اشتهر باقتناء سلالة معينة أو إقامة مسابقات الفروسية ورصد أعظم الجوائز لها .. وليس فرسي عبس وذبيان داحس والغبراء عن مانقول ببعيد .. فقد أصبحت من أشهر الجياد في التاريخ قاطبة ومن أجلهما سميت أطول حربٍ في تاريخ العرب والجزيرة العربية حرب داحس والغبراء والتي استمرت أربعين سنة ..
وهذا يؤكد أن الاهتمام بالخيل واقتناء أجودها والتفاخر بها وإقامة ميادين الفروسية من أجلها أمرٌ كان ولازال متأصلٌ في حياة إنسان الجزيرة العربية .. حتى صنف الحصان العربي أجمل سلالات الخيول ومن أقدمها في العالم ..
فبدايةً بحضارة المقر وتلك المجسمات التي أثبتت قدم العلاقة بينه وبين الخيل فقد صنع لها تماثيل تجسد مدى حبه وشغفه بها .. وإلا ما تكبد عناء نحت أشكالها على الصخر والاحتفاظ به كدليل فخرٍ واعتزاز .. ولربما كانت في تلك الحضارة التي لم تسبر أغوارها بعد تفاصيلٌ عن هذه العلاقة وكيف تم تدجين الخيل على أيدي رجال تلك الحضارة وكيف غيروا وجه التاريخ باستئناسهم للخيل وأحدثوا ثورةً وتطوراً غير وجه التاريخ وزاد من تحقيق الرفاهية والحضارة لإنسان ذلك العصر ..
والمتأمل للنقوش الثمودية المنتشرة في أرجاء الجزيرة العربية خصوصاً في منطقة حائل وجبة أو قريباً من مدينة العلا يجد الكثير منها يوضح فرساناً ممتطين صهوات جيادهم شاهرين سيوفهم  ورماحهم .. إما في مشهد مبارزةٍ أو مشهد صيدٍ لجملٍ أو غزالٍ وحشي ..
وهذا إثباتٌ لتدجين الخيل قبل الجمل بزمنٍ طويل .. وربما وصلوا لنتيجةٍ فحواها أن الخيل أسرع وأمكن وسيلة للتحقيق عيشٍ أفضل .. والوصول بواسطته لأبعد المسافات واكتشاف ماحولهم من بقاع وفرض السيطرة عليها هو خير وسيلة .. 

وعندما نأتي للزمن الذي نشأت معه هذه البلاد المباركة على يد مؤسسها الإمام محمد بن سعود رحمه الله في عام ١٧٤٤ للميلاد وحتى وقتنا الحاضر .. نجد تاريخاً طويلاً وعامراً بالقصص والآثار عن علاقة هذه الأسرة العظيمة والخيل ..
فقد اهتموا بتربيتها وحفظ سلالاتها الأصيلة واهتموا بجميع أحوالها .. فقد أورد الكاتب الكبير حمد الجاسر في كتابه أصول الخيول العربية تفصيلاً لما كان عليه نهج الأسرة الحاكمة من عهد جدها الأول الإمام محمد بن سعود رحمه الله فقد ذكر المؤرخ النجدي الشهير ابن بشر في كتابه سهيل في ذكر الخيل أن الإمام سعود بن عبدالعزيز رحمه الله كان يملك من الخيل العتاق ألفاً وأربع مئة فرس ويذكر أيضاً الرحالة السويسري من أم إنكليزية يوهان بوركهارت في كتابه مواد لتاريخ الوهابيين ( كان إنفاق سعود الرئيسي هو ما ينفقه على ضيوفه وخيله وأنه كان يملك ما لايقل عن ألفي حصانٍ وفرس ) وكان لابنه عبدالله أكثر من مئة من الخيل ..

أما الإمام فيصل بن تركي رحمه الله فكان من هواة جمع الخيل والعناية بها وتربيتها فقد ذكر الرحالة الإنكليزي بلجريف أنه رأى في اسطبل الإمام ثلاث مئة رأس من الخيل ومثل هذا العدد في المرعى .. ويقول ابن بشر ( كان الإمام فيصل متع الله به ملك من الخيل العتاق العربيات مالا يملكه ملك من الملوك من جميع أنواعها الغالية ) .. حتى ذكر عنه رحمه الله أنه اذا ركب غازياً كان يحب ركوب فرس سابق معلومة يسمونها ( شقرا ابن هزاع ) ..
وتقول الليدي آن بلنت وهي فارسة بارعة ومربية خيول ماهرة تقول في كتابها رحلة إلى نجد ( أما أن حظيرة فيصل لتربية الخيل في أيامها كانت أحسن حظيرة في بلاد العرب ) ..
ويذكر حمد الجاسر في كتابه أصول الخيل العربية الحديثة ( في عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله اتجهت عنايته إلى رعاية الخيل والاهتمام بشؤونها وكما ذكر الشيخ يوسف ياسين أنه لما رأى كثرة ما يقتل من عتاق الخيل في الحروب خاف على أنسابها أن تضيع فجمعها وجعل لكل فريق مكاناً خاصاً وشدّد أوامره بالمحافظة عليها وجعلها في واحة الخرج حيث يتواجد أطيب الأعلاف والماء العذب لكي تنمّى وتتوالد ولا يخالطها غير أصيل من الخيل وكان ذلك في عام ١٣٤٦ للهجرة ) ..
وقد كان الدكتور أحمد مبروك وهو رئيس قسم تربية الحيوانات بالجمعية الزراعية بمصر وقد قابل الملك عبدالعزيز كموفد عن الجمعية قد نقل حديثاً عن الملك عبدالعزيز عن الخيل : بأنه عندما كانت أيام الغزو قائمة بين البدو قبل عشرين عاماً كانت الخيول ضرورية لهم حيث يقتني البدوي فرساً أو أكثر حتى أنهم يؤثرنها على أولادهم في الغذاء والماء ..
ومن المعلوم أنه كان رحمه الله يركب في حروبه أجود خيله اسمها ( عبيه ) وهي فرس عربية أصيلة شهياء اللون رافقت المؤسس رحمه الله في أغلب معارك التوحيد وتعتبر رمزاً عظيماً لدى السعوديين حتى سميت باسمها إحدى المدرعات السعودية الحديثة مما يعطي دلالة كبرى على رمزية الخيل لدى المملكة العربية السعودية .. وكذلك كانت لديه رحمه الله فرسٌ مشهورة تدعى ( منيفة ) كانت لاتقل شأناً عنده  عن (عبيه)

ويذكر الجاسر في كتابه أنه ( في عهد الملك سعود رحمه الله تم إنشاء مركزاً لتربية الخيول جمعت فيه ٢٠٠ فرس معظمها من الفصائل الأربعة وهي : الكحيلة والحمدانية والعبيّة والصويتيّة وهناك صيدلية مجهزة بجميع ما يحتاج إليه لعلاج الخيول ) ..
كما تجدر الإشارة بأن الملك عبدالعزيز كان يحتفظ خيولاً عربية أصيلة احتفظ بها وبسلالاتها بعض أبنائه منهم الملك فيصل رحمه الله حيث كان مغرماً بالفروسية منذ صغره حيث كان مهتماً باقتناء الخيل ورعايتها حتى جمع منها عدداً كبيراً .. وعندما أصبح ملكاً أمر في سنة ١٣٨٥ للهجرة بإنشاء نادٍ للسباق باسم نادي الفروسية وأسندت رئاسته للأمير عبدالله بن عبدالعزيز  حين ذاك لشغفه بالفروسية رحمه الله .. ومن بعده أتى الملك خالد رحمه الله واستمرت العناية بالخيل فقد كان رحمه الله من هواة سباق الخيل وكان هو أبنائه يقتنون من عتاقها ما يشاركون به في السباقات .. 
أما في عهد الملك فهد رحمه الله فقد خصص جائزةً كبيرةً لسباق الخيول الأصيلة النجدية وكان يرعى بنفسه هذه السباقات مما جعل هذا الأمر أكبر حافزٍ للأمراء والمواطنين لإقتناء الخيل والمشاركة في هذه السباقات .. واستمر الأمر كذلك في عهد الملك عبدالله الذي عرف بتشجيعه وحبه للفروسية وله صورٌ شهيرة وهو على صهوة أحد جياده في يشارك في السباقات بنفسه ويفوز فيها .. 
وكذلك ذكر الملك سلمان حفظه الله في حديثه لأحد القنوات عن ذكرياته في شبابه وحين كانوا ينطلقون بالخيول من منطقة تسمى حوش الخيل مقابل حديقة الفوطة سابقاً باتجاه حي البطحاء حالياً .. وكانوا يتنافسون في سباقات يقيمونها بشكل دوري في حي الملز  الذي سمي بهذا الاسم  الآن بحي الملز نسبةً لِ(لزز) الخيل  يعني سباق الخيل .. وكيف أنهم تعلموا ركوبها والشغف في سباقاتها واقتناء الأصيل منها من إخوته الملوك والأمراء الأكبر سنّاً ..

وحتى وقتنا الحاضر لازال ولاة الأمر في هذه البلاد سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز يولون الخيل العربي الأصيل جلّ اهتمامهم ورعايتهم حتى أنها أصبحت رمزاً ملكياً في الاستقبالات الملكية والرئاسية للوفود عالية المقام .. فنراه تطوق المواكب بكل زهوٍ وافتخار ..
وكذلك أقاموا كأساً عالمية باسم كأس السعودية جائزته تعتبر الأغلى والأثمن على مستوى العالم يسلم الأمير الفائزين بنفسه الجوائز ويدعمهم معنوياً ويبين للعالم أجمع أن الحصان العربي الأصيل محل اهتمامٍ ورعايةٍ كبيرين لدى القيادة الرشيدة ..


المصادر :

أصول الخيول العربية الحديثة  للكاتب حمد الجاسر
سهيل في ذكر الخيل للمؤرخ ابن بشر
 مواد لتاريخ الوهابيين ليوهان بوركهارت
رحلة إلى نجد الليدي آن بلنت