عبارة خالدة، ردّدتها الجدات وتوارثتها الحفيدات، وكم صفّقت أياديهنّ المخضّبة بالحناء الخمري، لتتراقص أمامهنّ الفتيات طربًا كالفراشات, تلك العبارة لم تأتِ من فراغ؛ بل جاءت من زمن غير محدد، ربما من تاريخ أبعد مما نتصور، من لحظة تشكّل فيها أول خيط في العلاقة العميقة بين الإنسان والخيل.
حتى وإن اختلف نطقها باختلاف اللهجات أو الألسن، بقي معناها ثابتًا، يتردد على ألسنة النساء، ويتبختر به جيد الفتيات فخرًا حتى يومنا هذا.
وما يدعونا للحديث عنها هو ما تحمله من دلالات ضاربة في عمق الوجدان العربي؛ فالفخر والاعتزاز، خصوصًا في أيام الفرح، لطالما ارتبطا بالخيل، كرمزٍ للسؤدد والشمم والمروءة، فالخيل والفروسية لا يغيبان عن الشعر، ولا عن أي مقام فخر؛ إنهما دائمًا في الصدارة، يزيّنان المشهد، ويتقدمان الصفوف.
وامتداد هذه العبارة عبر الأجيال، دليل واضح على أن للخيل مكانة وجدانية حيّة، تتكرّر في تفاصيل أفراحنا، حتى في أبسط مناسباتنا، من جمعات العائلة، إلى احتفالات الطبقات الرفيعة.
حين تُقال العبارة "كل آل فلان خيّالة"، يتزاحم المسرح بالأجساد المتمايلة، كأنها تلامس السماء زهواً، وتردد خلفها طربًا واعتزازًا.
فكم من جيد فتاة تبختر فخرًا بهذه العبارة، وكأنها تمتطي صهوة جواد جامح، تشقّ به عباب الحضور، وتقول لهم:
"ها أنا، وها هي خيل أهلي."